مجمع البحوث الاسلامية
787
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الأصول اللّغويّة 1 - الأصل في هذه المادّة : البطء ، أي التّأخّر والتّواني ، يقال : بطؤ في مشيه يبطؤ بطء وبطاء ، وأبطأ وتباطأ ، فهو بطيء وهم بطاء . وما أبطاك وبطّأك عنّا ؟ وأبطأ عليه الأمر : تأخّر ، وأبطأ الرّجل : صار ذا بطء ، وأبطأ به وبطّأ عليه بالأمر : أخّره ، وبطّأ به : ثبّطه عن أمر عزم عليه . وأبطأ الرّجل واستبطأ : كانت دوابّه بطاء ، وتباطأ الرّجل في مسيره تباطؤا : تثاقل فيه ، وقد استبطأته ، وفي الحديث « من بطّأ به عمله لم ينفعه نسبه » . 2 - والباطئة أو الباطية : إناء تصفّى فيه الخمر ، قال الخليل : اسم مجهول أصله . وقال الأزهريّ في « التّهذيب » : جمعه : البواطي ، وقد جاء في أشعارهم . وزاد صاحب « اللّسان » نقلا عنه : ولا أدري أمعرّب أم عربيّ ؟ والحقّ أنّه يونانيّ ، استعمل في السّريانيّة بلفظ « بطيتا » و « بديا » ، ثمّ أخذ العرب اللّفظ الأوّل وعرّبوه بلفظ « باطية » ، وأخذ الفرس القدماء اللّفظ الثّاني ، واستعملوه بلفظ « باديا » « 1 » . الاستعمال القرآنيّ جاء لفظ واحد من هذه المادّة ( ليبطّئنّ ) : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً النّساء : 72 يلاحظ أوّلا : أنّ لفظ ( ليبطّئنّ ) وحيد الجذر في القرآن ، مثل : فَلَيُبَتِّكُنَّ النّساء : 119 ، وقد جاء على غراره وزنا وصياغة في سورة واحدة مدنيّة ، ولا ثالث لهما على هذا النّمط ، وتقدّم الكلام حولهما في « ب ت ك » . ثانيا : عدّ سيّد قطب ( ليبطّئنّ ) بما لها من الجرس الصّوتيّ الثّقيل على اللّسان ، وتصويرها الحركة النّسبيّة الحرجة المصاحبة لها ، من بدائع التّصوير الفنّيّ في القرآن ، فلاحظ . ثالثا : هل هؤلاء المبطّئون كانوا مؤمنين ، استنادا إلى صدر الآية والآيات قبلها ، فإنّها خطاب للمؤمنين ، ولكنّهم كانوا من ضعافهم إيمانا ؟ أو كانوا منافقين بحجّة أنّهم قالوا : إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ، وعدّوا من المؤمنين لكونهم في زمرتهم ظاهرا ؟ وقد أيّد الطّباطبائيّ هذا القول راميا القائلين بالأوّل إلى حسن ظنّهم بالمسلمين في الصّدر الأوّل ، فناقشهم طويلا . وعندنا أنّ ضعفة الإيمان ربّما عدّوا من المنافقين ، فإنّ النّفاق كالإيمان له درجات ، فيتداخلان في بعض الدّرجات ، وله نظائر وشواهد في القرآن . رابعا : هل المراد بها تثاقلهم عن القتال ، مثل : ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ التّوبة : 38 ، وهذا يناسب كونهم مؤمنين ؟ أو تثبيطهم الآخرين ، وهو شاهد على نفاقهم ، لأنّ عملا كهذا لا يصدر عن مؤمن ولو كان ضعيف الإيمان ، وهذا ألصق بالسّياق ، لاحظ كلام الفخر الرّازيّ في النّصوص .
--> ( 1 ) المعجم المقارن 1 : 74 .